إنهاء الحرب في غزة: ما الذي يجب فعله الآن
مجلة "ذا كايرو ريفيو أوف غلوبال أفيرز"
القوة العسكرية الإسرائيلية لن تتوقف في غزة من دون ضغط دولي كبير وسلسلة من العقوبات المشروطة
بقلم: غيرشون بسكين
https://www.thecairoreview.com/essays/ending-the-war-in-gaza-what-must-be-done-now/
على مدار 18 عاماً، تفاوضت مع حركة حماس. وبينما كانت هناك فترات قصيرة خلال ذلك الوقت سُمح لي فيها من قبل مسؤولين إسرائيليين بنقل رسائل إلى قادة ومفاوضي حماس، فإن معظم اتصالاتي لم تكن مُصرّحاً بها، لكنها كانت تُعتبر في أفضل الأحوال ذات قيمة، وفي أسوئها بلا تأثير يُذكر. القناة السرية المباشرة التي كنت أديرها استُخدمت للتوصل إلى الصفقة التي أدت إلى إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، الذي احتجزته حماس خمس سنوات، في عام 2011. وأعتقد أن اتصالاتي ساهمت أيضاً في أول اتفاق تفاوضي بين إسرائيل وحماس في نهاية عام 2023.
في سبتمبر/أيلول 2024، ضمنتُ اتفاقاً من حماس للإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين (أكثر من 100 حينها) مقابل فترة مدتها ثلاثة أسابيع تنهي الحرب وتطلق سراح الأسرى الفلسطينيين وتؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل من غزة. الجانب الإسرائيلي والأمريكي لم يكونا مهتمين حينها.
هناك الآن اتفاق جزئي مطروح على الطاولة ــ قدّمه الوسطاء المصريون والقطريون وبدعم من الولايات المتحدة ــ لوقف إطلاق النار في غزة لمدة 60 يوماً. حماس ستُفرج عن 10 رهائن إسرائيليين أحياء وجثامين 18 رهينة متوفياً. في المقابل ستُفرج إسرائيل عن نحو 200 أسير فلسطيني معظمهم محكومون بالمؤبد لقتل إسرائيليين، إضافة إلى 1000 معتقل من غزة أُسروا خلال الـ 22 شهراً الماضية. الاتفاق لا يشمل أولئك الذين اجتازوا الحدود في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وقتلوا إسرائيليين.
الاتفاق قريب جداً من الذي عُرض قبل أشهر عندما قيل إن إسرائيل وافقت عليه، ثم ادعت أن حماس انسحبت. الحقيقة أن حماس كانت تواصل التفاوض على التفاصيل حين انسحبت إسرائيل، وألقت باللوم على حماس لتشددها بشأن قضية الأسرى الفلسطينيين وإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في غزة. الولايات المتحدة تبنت الرواية الإسرائيلية وحمّلت حماس مسؤولية فشل المحادثات.
عندما استدعت إسرائيل وفدها التفاوضي قبل أن توافق حماس على الاتفاق الجديد، نشرت حماس مقاطع فيديو لرهينتين إسرائيليتين جائعتين هزيلتين على وشك الموت، على أمل أن تدفع الصور الرأي العام الإسرائيلي ضد فشل الحكومة في إعادتهما. وهذا ما حدث. ففي 17 أغسطس/آب خرج مليون إسرائيلي في مظاهرات في أنحاء البلاد، بينهم نحو 400 ألف في تل أبيب مساءً. لكن ذلك أيضاً لم يُحرّك الحكومة الإسرائيلية ولا رئيس وزرائها قيد أنملة.
مر أكثر من أسبوعين منذ أن وافقت حماس على الاتفاق الجزئي المصري-القطري، لكن الحكومة الإسرائيلية لم ترد بعد.
في 28 أغسطس/آب، أصدر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بياناً مشتركاً يُحمّلان فيه إسرائيل مسؤولية التأخير في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار. وأكدا أن إسرائيل تُظهر "مقاومة ومماطلة" تجاه الاتفاق، ودعوا المجتمع الدولي للضغط على نتنياهو للموافقة عليه.
وفي واشنطن، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه شعر بقلق شديد إزاء مقاطع الفيديو التي بثتها حماس، وإنه يشعر بارتباط شخصي عميق بالرهائن الإسرائيليين وعائلاتهم. ثم أصدر بياناً مفاده أن "إسرائيل يجب أن تفعل ما يجب أن تفعله"، في إشارة إلى إعطاء نتنياهو الضوء الأخضر لتصعيد الحرب واحتلال وتدمير كامل لقطاع غزة.
ما تبقى من البنية التحتية في غزة سيُسوّى بالأرض من قبل إسرائيل.
نحو النهاية
تنخرط إسرائيل في كل أنواع الحيل والخداع لتمكين المرحلة النهائية من الحرب قبل "النصر الكامل والتدمير التام لحماس"، كما وصفها نتنياهو مراراً خلال الـ 22 شهراً الماضية. إحدى هذه الحيل هي الوقت الطويل الذي تقول إسرائيل إنها تحتاجه للتخطيط وتنفيذ عمليتها العسكرية الجديدة للسيطرة على غزة كلها، والتي تمت الموافقة عليها في الأسبوعين الأولين من أغسطس.
الحقيقة أن هذه العملية قد بدأت بالفعل. فقد أرسلت إسرائيل إخطارات إلى 60 ألفاً من جنود الاحتياط للالتحاق بالخدمة في 2 سبتمبر (اليوم التالي لبدء العام الدراسي حتى يتمكن الآباء من إيصال أبنائهم للمدرسة في الأول من سبتمبر). لا ينبغي أن يكون هناك أي وهم حول الأهداف الحقيقية: تسوية المنطقة الوسطى من القطاع بما فيها مدينة غزة وإجبار أكثر من مليوني فلسطيني على التكدس في الركن الجنوبي الغربي من القطاع. وقد بدأت إسرائيل بالفعل بمهاجمة الأحياء المحيطة مثل الصبرة، الزيتون، وجباليا.
الضغط البشري سينفجر؛ إسرائيل ــ وخصوصاً نتنياهو وحلفاؤه في الائتلاف الحكومي وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش ــ يريدون أن تدفع الكارثة الإنسانية المروعة جماهير غزة لعبور الحدود إلى مصر. في المقابل، بدأت مصر بنشر مزيد من القوات على الحدود مع غزة في سيناء خوفاً من اختراقها من قبل آلاف الغزيين الهاربين من البؤس والخوف من الموت.
الخطة الإسرائيلية تتضمن أيضاً موافقة حكومية على تخصيص أكثر من 300 مليون دولار لإعداد بنية تحتية لما يُسمى "المنطقة الإنسانية" بما في ذلك الطرق والكهرباء والمياه ومدن الخيام وغيرها.
لا يوجد ما هو إنساني فيما يخططون له وينفذونه. حشر مليوني فلسطيني جائع فقدوا كل شيء وتم نقلهم من مكان إلى آخر في غزة مرات عديدة لا يمكن وصفه بالعمل الإنساني. هذه الأفعال غير قانونية بموجب القانون الدولي ولا يمكن تبييضها بأي شكل، خاصةً عبر تسميتها إنسانية.
مدى نجاح إسرائيل في تحقيق ذلك يبقى غير مؤكد. طالما لا يوجد اتفاق بديل يقبله ترامب لإنهاء الحرب، سيستمر الأمريكيون في توفير الغطاء السياسي لإسرائيل، كما فعلوا حتى الآن. الولايات المتحدة تبنت رواية إسرائيل حول الطرف المسؤول عن استمرار الحرب ــ حماس. كما ستستخدم حق النقض أو التهديد به لضمان عجز مجلس الأمن عن الضغط على إسرائيل لإنهاء حربها على غزة.
ما يجب أن تفعله حماس
بينما أبلغتني حماس أنها تريد إنهاء الحرب وقدّمت تنازلات مهمة لهذا الهدف، فإنها لم تُقدّم حتى الآن مبادرتها الخاصة إلى الوسطاء المصريين والقطريين. وبدلاً من ذلك، تقول إن الوسطاء دفعوها لقبول اتفاق جزئي لأنه ما يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة القبول به. ولسبب غير مفهوم، لم تتمسك حماس بمطلب إنهاء الحرب كلياً، رغم إعلانها استعدادها للإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيليين خلال 24-48 ساعة، وموافقتها العلنية على التخلي عن حكم غزة لصالح حكومة فلسطينية مدنية تكنوقراطية لا تكون جزءاً منها.
وبسبب فشل إسرائيل في الرد على الاتفاق الذي قبلته حماس، نصحتُ حماس بصياغة اتفاق شامل لإنهاء الحرب وتسليمه مكتوباً إلى رئيس الوزراء القطري آل ثاني. كما اقترحت عليهم التوقف عن النظر إلى نتنياهو وإسرائيل كـ "الطرف الآخر" على طاولة التفاوض، لأن نتنياهو لا يريد إنهاء الحرب. بل يجب أن تتخيل حماس أنها تجلس مقابل ترامب وتسأل نفسها: ماذا يريد الرئيس الأمريكي وكيف يمكننا تحقيق ذلك؟
أولاً وقبل كل شيء، يريد ترامب رؤية حكومة فلسطينية جديدة غير تابعة لحماس تدير غزة وبدعم من مصر وقطر. هذا أمر أساسي كي يفنّد ادعاء إسرائيل (الذي أقنعه حتى الآن) بأن انسحابها من غزة سيُبقي حماس في الحكم.
ثانياً، على حماس أن تعلن أنه مع تنفيذ اتفاق إنهاء الحرب، ستُفرج عن جميع الرهائن الإسرائيليين، الأحياء والأموات. يمكنها القول إن الرهائن الأخيرين سيُفرج عنهم عند اكتمال الانسحاب الإسرائيلي. وإذا أرادت إسرائيل أولاً هدنة لمدة 60 يوماً، فلا بأس؛ حماس توافق، وسيكون أمام إسرائيل 60 يوماً للانسحاب من غزة.
كما أُبلغت من أحد أعضاء وفد حماس أنهم يقبلون بإنشاء منطقة أمنية عازلة على طول الحدود بين غزة وإسرائيل، من دون وجود جنود إسرائيليين داخل غزة. وأكد لي عضو آخر أنهم يوافقون على آلية رقابة دولية عند معبر رفح. كما يتوقعون صفقة معقولة بشأن الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين والمحتجزين من غزة والضفة. حماس تطالب بزيادة ضخمة في الإمدادات الغذائية والمساعدات الطبية والوقود والمولدات وغيرها، على أن تُدار من قبل منظمات دولية في غزة وليس من قبل ما يُسمى "مؤسسة غزة الإنسانية" (التي يجب إغلاقها).
ينبغي على حماس أن تُسلّم خطتها للقطريين والمصريين وأن تنشرها في وسائل الإعلام الغربية. كما يجب أن تبدأ فوراً بتقديم غذاء وعلاج حقيقي للرهائن الإسرائيليين العشرين الأحياء وتصويرهم أثناء تلقيهم الرعاية. يجب أن يستمر ذلك حتى يتم الإفراج عنهم. عليهم القيام بذلك لأنه العمل الصحيح وفقاً للشريعة الإسلامية، ولأنه سيجعل ترامب يقف إلى جانب إنهاء الحرب.
إلى أن تُقدّم حماس مبادرة مكتوبة للوسطاء، ستبقى الرواية الإسرائيلية-الأمريكية بأن حماس تريد استمرار القتال هي المسيطرة على تفسير ما يجري في غزة.
الحصانة الإسرائيلية
في الوقت نفسه، يجب الاعتراف بأن نتنياهو وحكومته محصنون ضد الضغط الشعبي في إسرائيل. لديهم قاعدة قوية وأغلبية في الكنيست، ويرون أي احتجاج ضد الحكومة على أنه أفعال "خونة يساريين" معادين لإسرائيل (وهو في الحقيقة عداء لنتنياهو وليس لإسرائيل) يدعمون حماس وأعداء إسرائيل الآخرين.
ولا تزال إسرائيل تتمتع بحصانة ساحقة على الصعيد الدولي. بينما يفرض القانون الدولي على المجتمع الدولي بذل كل ما في وسعه لمنع الإبادة الجماعية، فإنهم لا يفعلون ذلك، وبالتالي فهم متواطئون في الإبادة الجارية في غزة. هناك انتقادات عالمية متزايدة ضد إسرائيل، لكن الأمر يتطلب ضغطاً أكبر بكثير لتحقيق أي تأثير حقيقي. الاعتراف بدولة فلسطين (الذي كان ينبغي أن يتم قبل عقود) وإلغاء تأشيرة وزير إسرائيلي متطرف إلى أستراليا لا يكفي.
كل دولة في العالم لديها علاقات مع إسرائيل يجب أن تفرض فوراً عقوبات مشروطة عليها، على أن تُرفع عندما تنهي إسرائيل الحرب وتنسحب من غزة. هذا هو الأمر الأهم الآن ــ إنهاء الحرب في غزة. وبعدها يمكننا مناقشة ما يجب فعله لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وصناعة السلام وتنفيذ حل الدولتين العادل للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
