غزة: العاجل والضروري
12 أكتوبر 2025
بعد عدة مكالمات عبر “زووم” خلال الأسبوعين الماضيين مع مجموعة من أبرز الشخصيات في المجتمع المدني والقطاع الخاص في غزة، والتي أجريتها مع شريكي الفلسطيني سامر سنجلّاوي، أود أن أوجز ما يراه هؤلاء القادة الغزّيون أنه أكثر الخطوات إلحاحًا وضرورة في هذه المرحلة. فالإلحاح ضروري لضمان أن مستقبل غزة لن يشبه ماضيها. هؤلاء الأشخاص يعارضون حماس ويريدون قبل كل شيء عودة الحياة الطبيعية إلى غزة. إنهم ليسوا سياسيين ولا مرتبطين بالسلطة الفلسطينية. إنهم يمثلون غالبية سكان غزة الذين همّهم الأساسي أن يكون لهم سقف يؤويهم، وطعام على موائدهم، وعمل يذهبون إليه، ومدارس لأطفالهم، وضمان بألا تندلع حرب أخرى مع إسرائيل. هم أقل انشغالاً بالحلول السياسية النهائية للنزاع وأكثر اهتماماً بجعل غزة مكانًا صالحًا للحياة مرة أخرى. بعض المقترحات الواردة هنا هي أفكاري، لكن معظم الرؤى جاءت منهم.
1. ملكية الأراضي
القضية الأولى بالغة الأهمية، وينبغي أن تلامس أيضاً القيم الأمريكية كما عبّر عنها الرئيس دونالد ج. ترامب – وهي حماية الملكية الخاصة. فمع أن الغالبية الساحقة من مباني غزة دُمّرت على يد إسرائيل، إلا أن الأرض التي كانت تحتها لا تزال موجودة. إن سجلّ الأراضي الفلسطيني في الضفة وغزة (وحتى القدس الشرقية) يوثّق كل سنتيمتر من الأراضي. الأرض ليست فقط رمزًا للنضال الفلسطيني من أجل الاستقلال، بل هي أولاً وأساسًا من أثمن ما يملكه الفلسطيني. إذا لم يُعترف بحق الملكية والاستخدام بعد الحرب، فسوف يحدث انهيار في النظام المدني وفوضى عارمة بين كل مالكي الأراضي ضد أي سلطة قائمة. أحد القادة المدنيين الذين تحدثنا إليهم أمس تحدث عن أرضه – 190 دونمًا قرب معبر إيرز – كل المباني هناك سُوّيت بالأرض. من المفترض أن تصبح تلك المنطقة جزءًا من “منطقة ممنوعة الدخول – يُطلق فيها النار للقتل” داخل غزة. ما وضع تلك الأرض إذًا؟ قلت له إن عليه معالجة المسألة لاحقاً بعد استقرار الواقع الأمني الجديد، لكنه لم يجد ذلك جواباً مقنعاً. هذه المسألة يجب أن تكون على الطاولة وأن تُحل بما يضمن حقوق الناس في أملاكهم.
2. من يقرر؟
يجب أن يشارك الغزيون أنفسهم في النقاشات حول مستقبل غزة. العمل الكبير الذي يقوم به ويتكوف وكوشنر في التخطيط لمستقبل غزة رائع، لكن إن لم يكن أبناء غزة جزءاً من عملية التخطيط والتنفيذ، فالمسار سيكون خاطئاً ومليئاً بالعقبات. إذا كانت غزة ستكون “من أجل الغزيين”، كما وعد الرئيس ترامب، فلا بد أن يُشرك الغزيون منذ اليوم الأول – وخصوصاً شخصيات جادة ومؤثرة من المجتمع المدني والقطاع الخاص تشارك بفعالية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم.
3. تشكيل الحكومة الفلسطينية الانتقالية لغزة
يجب تشكيلها فوراً. سواء أعجب ذلك الأمريكيين أم لا، فإن شرعيتها تتطلب صلة قانونية ما بالسلطة الفلسطينية في رام الله، لأن آخر ما يريده الفلسطينيون ومعظم القادة العرب هو تكريس الانقسام بين الضفة وغزة. لذا ينبغي أن يُعبّر عن ذلك من خلال تعيين رئيس الحكومة الغزية الجديدة بموافقة السلطة الفلسطينية. هذه الحكومة يمكن أن تكون مستقلة إدارياً عن رام الله حتى إجراء الانتخابات الفلسطينية العامة، كما وعد محمود عباس خلال عام واحد.
القادة المدنيون والاقتصاديون المذكورون هنا كتبوا للرئيس ترامب مرتين معبّرين عن رغبتهم في المساهمة بالحكومة الجديدة. سلّمتُ تلك الرسائل للرئيس ترامب بنفسي. هناك أيضاً أشخاص آخرون في غزة، غير منتمين لحماس، يرغبون في خدمة شعبهم والمساعدة في إعادة الإعمار. يجب تشكيل هذه الحكومة بأقصى سرعة لأن حماس لا يمكن أن تتنحى عن الحكم – كما وافقت – إلا عندما تكون هناك حكومة بديلة جاهزة.
4. قوة الأمن الفلسطينية في غزة
بالتوازي مع تشكيل الحكومة الجديدة، يجب إنشاء قوة أمن فلسطينية بسرعة، أساسها شرطة مدنية لإعادة النظام وحفظه. هناك مجموعة كبيرة من الغزيين تم تدريبها في مصر خلال الأشهر الماضية وهم جاهزون للانتشار. يحتاجون فقط إلى إطار سياسي–إداري يخضعون له، وهو الحكومة الجديدة في غزة، الملتزمة باللاعنف وبالحفاظ على وقف إطلاق النار والعمل لصالح الفلسطينيين. يمكن تعزيز هذه القوة بآخرين داخل غزة ممن يمكن تدريبهم بسرعة والانضمام إليها.
5. القوة الدولية متعددة الجنسيات
وافقت دول كثيرة على إرسال قوات إلى غزة للمساعدة في استقرار المنطقة ودعم الحكومة الفلسطينية الجديدة وقوة الشرطة في فرض النظام. كما ستساعد هذه القوة في تنظيم تنقل الأشخاص وإنشاء مناطق سكن مؤقتة – كالكرافانات والخيام – استعداداً لفصل الشتاء. هناك حاجة عاجلة لنشر هذه القوة لأن شرطة حماس هي الآن الجهة الوحيدة المسيطرة على الأرض، ويجب استبدالها في أقرب وقت.
لكن حتى ذلك الحين، يجب الاعتراف بواقع أن وجود حماس الآن يساعد على العثور على الرهائن وإعادتهم لإسرائيل. ومعظم مقاتليها قُتلوا، وما تبقّى منهم شباب صغار يحملون السلاح مقابل بضع مئات من الدولارات، ويمكن دمج الكثير منهم في قوة الأمن الجديدة. إذا لم يكن هناك جنود إسرائيليون في غزة، فلن تكون هناك أهداف لهؤلاء المسلحين، كما قال بعض قادة حماس أنفسهم إنهم يحتاجون أسلحتهم فقط لحماية أنفسهم من غضب الغزيين، لا لقتل الإسرائيليين.
6. حرية الحركة
لم يتمتع الغزيون بحرية الحركة منذ نحو عقدين. وفقاً للاتفاق الجديد، سيكون معبر رفح مفتوحاً لحركة الأفراد في الاتجاهين، لكن مصر تملك بالطبع حقها السيادي في تنظيم الدخول والخروج. المطلوب أن تعامل مصر الغزيين كباقي الأجانب، وألا تُعتبر شريكاً في الحصار المفروض على غزة. كما يجب أن يصبح رفح معبراً للبضائع أيضاً، مع وجود آلية تفتيش دولية يشارك فيها الأوروبيون، مستخدمةً أحدث التقنيات لمنع تهريب السلاح. رفع الحصار عن غزة عنصر أساسي لتحقيق الاستقرار والأمن في غزة وإسرائيل على حد سواء.
7. اقتصاد غزة – من الحرب إلى العمل
دعا الغزيون الذين تحدثنا معهم الأمريكيين إلى الإشراف الفعّال على إزالة الركام وإعادة الإعمار، لتجنب البيروقراطيات التي قد تستهلك الأموال المخصصة للإعمار. يجب أن تكون عملية إعادة البناء سريعة ومدروسة وبمشاركة مباشرة من الغزيين، مع اهتمام خاص بالقطاع الخاص الذي دُمّر كلياً خلال العامين الماضيين. في الماضي كان في غزة قطاع خاص نشط ومتعاون مع نظيره الإسرائيلي. الفلسطينيون رواد أعمال بطبيعتهم، والآن أكثر من أي وقت مضى يجب تمكينهم من إعادة بناء اقتصادهم.
8. التعليم
لم تعد هناك مدارس قائمة في غزة، وجميع الجامعات والكليات دُمّرت بالكامل. هناك نحو 625,000 طفل في سن الدراسة لم يتلقوا تعليماً منتظماً منذ عامين. يجب إعادة بناء النظام التعليمي في غزة، وليس فقط الأبنية، بل المناهج أيضاً. على أطفال غزة (وكذلك الضفة) أن يتعلموا بناء فلسطين لا تدمير إسرائيل. يجب أن تُدرّس اللغة العبرية من الصف الأول، إلى جانب تعلمهم ثقافتهم وتاريخهم وتراثهم ودينهم، وأن يتعرفوا على جيرانهم ليعيشوا معهم بسلام. (وهذا الكلام ينطبق أيضاً على النظام التعليمي الإسرائيلي).
أنصح الفلسطينيين بطلب مساعدة الإمارات العربية المتحدة في تطوير المناهج الجديدة. كان محمود عباس قد وعد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بإصلاح التعليم الفلسطيني. هذه ليست تنازلاً، بل اعترافاً شجاعاً بأن الشعبين باقون هنا وأن عليهما العيش المشترك بسلام. إصلاح المناهج في فلسطين وإسرائيل هو الخطوة الأولى نحو مصالحة حقيقية وضمان أن تكون حرب غزة الأخيرة بين الشعبين.
