المفتاح للتغيير السياسي والسلام
تُعيد الأحزاب السياسية اليهودية الإسرائيلية في صفوف المعارضة لحكومة نتنياهو (مع استثناء واحد) التأكيد مرارًا وتكرارًا، وعلى نحو شبه يومي، على موقفها القائل إنها بعد الانتخابات التي ستُجرى في وقتٍ ما من عام 2026 لن تُشكّل حكومة تضم الأحزاب السياسية العربية في إسرائيل. إن هذا تصريح مذهل في دولة تُقدِّم نفسها بوصفها ديمقراطية. فأكثر من 20% من مواطني إسرائيل هم عرب فلسطينيون. هل يمكن تخيّل سياسي أميركي أو أوروبي يعلن أنه يرفض المشاركة في حكومة تضم أحزابًا سياسية تمثل أقلية معيّنة على أساس هويتها؟ أيُّ دولةٍ يمكنها أن تُعرِّف نفسها كديمقراطية وتُعلن علنًا إقصاءً سياسيًا لأقلية كبيرة من مواطنيها بسبب العِرق أو الدين أو الهوية القومية؟ وكيف سيكون شعور هؤلاء الساسة اليهود الإسرائيليين لو وجدوا أنفسهم في موقع قادة المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل؟ وهل كان سيُعدّ مقبولًا لديهم أن تُقصى الأقلية اليهودية في الولايات المتحدة أو بريطانيا سياسيًا على أساس هويتها؟ بالطبع، في تلك البلدان، ربما لا يكون قانونيًا أصلًا تشكيل حزب سياسي على أساس عِرقي أو ديني أو قومي.
تُقدّم هذه الأحزاب اليهودية الإسرائيلية المعارضة وقادتها أنفسهم على أنهم يعملون لوقف المتطرفين الذين شرعنهم رئيس الوزراء نتنياهو، إلا أنهم اعتمدوا اللغة نفسها التي يستخدمها المتطرفون اليمينيون والدينيون في الحكومة الإسرائيلية الحالية. وحتى رئيسا الوزراء السابقان، لابيد وبينيت، يستخدمان اللغة ذاتها ويلتزمان بالمصطلحات العنصرية نفسها وبالتفسير المشوَّه لمعنى الديمقراطية. إن من يسعون بصدق إلى استبدال حكومة اليمين في إسرائيل ورئيسها، عليهم أن يدركوا أن مفتاح النصر يمر عبر التعاون السياسي اليهودي–العربي. وعلاوة على ذلك، عليهم أن يفهموا أن هذا التعاون ليس مناورة سياسية مؤقتة لتغيير الحكومة، بل شرطٌ أساسي لقيام ديمقراطية حقيقية، ولمساواة مدنية، ولحياةٍ مشتركة.
أعلم أن التعاون السياسي اليهودي–العربي الحقيقي في إسرائيل، والمساواة الحقيقية لمواطني إسرائيل الفلسطينيين، لن يتحققا بالكامل إلا عندما تُبرم إسرائيل سلامًا حقيقيًا مع الشعب الفلسطيني. وحتى ذلك الحين، سيظل معظم اليهود الإسرائيليين يشكّون في ولاء المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، ويعتقدون أنهم أوفى لشعبهم من ولائهم لدولتهم. وعلى الرغم من 78 عامًا من إثبات أن المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل هم في غالبيتهم الساحقة مواطنون ملتزمون بالقانون ولا يُشكّلون خطرًا على أمن وسلامة دولة إسرائيل، فإن الدولة كثيرًا ما تعاملهم بوصفهم أعداءً لها. وقليلون جدًا من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل يمكنهم أن يشهدوا بأنهم يشعرون بأنهم مرحَّب بهم في إسرائيل أو بأنهم جزءٌ لا يتجزأ من الدولة. وإذا سألتَ المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل عمّا يريدون، فسيقولون إنهم يريدون مساواة كاملة؛ وبعبارة أخرى، يريدون أن يكونوا مواطنين إسرائيليين كاملين. يريدون أن يعيشوا في إسرائيل كمواطنين متساوين، وأن تُعاملهم دولتهم على أنهم جزءٌ منها.
أنا واثق إلى حدٍّ كبير أن كثيرين من قرّاء هذا المقال يشعرون بالغضب لأنني وصفتُ العرب المواطنين في إسرائيل بأنهم «المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل». إن الذين يغضبون من هذه التسمية يعيشون حالة إنكار. وربما يكون كثيرٌ منهم من الذين يقولون إنه لا وجود لشعب فلسطيني، أو يدّعون أن الهوية الفلسطينية مُختلَقة كأداة لمحاربة إسرائيل. وكثيرون ممن قد يقبلون بهذه التسمية هم أنفسهم الذين يقولون إنهم قد يقبلون بدولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل شريطة إقامة جدران عالية وأسوار قوية تفصل «بينهم وبيننا». ويُعرِّف كثير من هؤلاء أنفسهم حتى بوصفهم جزءًا مما يُسمّى «معسكر السلام» — وهو أقلية آخذة في التلاشي في إسرائيل. إن الذين يعيشون داخل حدود هذه الأيديولوجيات السياسية المشوَّهة عليهم أن يواجهوا الواقع: لا يمكن أن يحدث تغيير في النظام السياسي في إسرائيل من دون تعاون يهودي–عربي. ولا يمكن أن يتحقق سلام بين إسرائيل وفلسطين من دون تعاون إسرائيلي–فلسطيني. إن تمني زوال الشعب الآخر عن هذه الأرض لا يغيّر الواقع. فأكثر من عشرين بالمئة من مواطني إسرائيل هم عرب فلسطينيون، والشعب الآخر الذي نتقاسم معه هذه الأرض هو الشعب الفلسطيني. والفلسطينيون الذين يعيشون بين النهر والبحر يعادلون عدد اليهود الذين يعيشون ضمن الحدود نفسها.
إن الذين يرفضون الحكم مع ممثلي المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل هم أنفسهم الذين يقولون إنهم لا يريدون رؤية فلسطيني مرة أخرى. ولو قيل هذا الكلام فقط بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر، لكان من الأسهل فهمه. لكن حتى أشخاصًا من اليسار في إسرائيل يواصلون الحديث عن نموذج «الانفصال» (نحن هنا وهم هناك) بوصفه الطريق الوحيد الممكن إلى الأمام. إنهم لم يتحدثوا، ولا يتحدثون، عن السلام؛ بل يتحدثون عن ازدراء وكراهية تجاه الشعب الفلسطيني. وقد يقبلون أو لا يقبلون بشرعية الهوية الجمعية الفلسطينية وبحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وقد يتمنون أن يجد الشعب الفلسطيني وطنه في مكان آخر. لكن حتى أولئك الذين يفهمون أن الشعب الفلسطيني لن يذهب إلى أي مكان، يرفضون قبول الحقيقة الحتمية: من دون انخراط وتعاون عابر للحدود، ومن دون اعتراف متبادل، ومن دون فهمٍ بأن الشعبين اللذين يتقاسمان هذا الوطن المشترك لن يعيشا بسلام ما لم يفتحا أعينهما على الوجود المشروع للآخرين على هذه الأرض ويمدّا أيدي التعاون إليهم، فلن يكون هناك سلام.
إن نموذج «الانفصال» الوحيد الذي يمكنني قبوله هو الانفصال السياسي؛ أي إنهاء احتلال عام 1967 وإنهاء سيطرة إسرائيل على الشعب الفلسطيني. ويعني ذلك إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل على أساس حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967. ولا يعني ذلك إقامة جدران وأسوار دائمة تهدف إلى فصل الإسرائيليين والفلسطينيين لعقود مقبلة. إن وضع الفلسطينيين في قفص لن يُنتج سلامًا. وعلى الإسرائيليين والفلسطينيين أن يدركوا أن الطريق العقلاني الوحيد إلى الأمام لكلا الشعبين هو الانخراط والتعاون وتطوير استراتيجيات تكون رابحة للطرفين. وعندما نبدأ بفهم أن المستقبل المعقول الوحيد لإسرائيل وفلسطين هو مستقبل التعاون العابر للحدود في كل المجالات الممكنة، بما يقود إلى السلام الإسرائيلي–الفلسطيني، سنبدأ أيضًا بتحقيق المساواة الكاملة لجميع مواطني إسرائيل، كما وُعِدَ بها في إعلان استقلال إسرائيل. وعندها فقط ستصبح إسرائيل ديمقراطية حقيقية، لأن المساواة بين جميع المواطنين هي الأساس الأهم لأي ديمقراطية.
