من الصدمة إلى السلام والمصالحة
23 أكتوبر 2025
أعلم أن الحرب انتهت للتو — منذ أقل من أسبوعين فقط. وأنا مدرك أن ما أكتبه هنا يأتي قبل أوانه. من الواضح أن الإسرائيليين والفلسطينيين على حدّ سواء قد تأثروا بعمق بالصدمات النفسية والألم والمعاناة والفقدان والحِداد على الأحبّة. عملية التعافي والشفاء لم تبدأ فعليًا بعد. وفي هذه اللحظة، من الصعب جدًا على أي من الجانبين أن يتخيّل ألم ومعاناة الآخر. ليس هناك، أو يكاد لا يوجد، أي تعاطف متبادل عبر خطوط الصراع. معظم الإسرائيليين والفلسطينيين يعتقدون بعمق أنه لا يوجد أبرياء تقريبًا على الطرف الآخر.
يؤمن الإسرائيليون أن جميع الغزيين ومعظم الفلسطينيين في فلسطين والشتات احتفلوا بعمليات القتل والخطف التي وقعت في السابع من أكتوبر 2023. ويعتقد معظم الفلسطينيين أن كل الإسرائيليين تقريبًا ومعظم يهود العالم أيّدوا قصف غزة وتدميرها الكامل خلال العامين الماضيين. لقد بلغ الخوف والكراهية المتبادلة بين الجانبين مستويات غير مسبوقة في هذا الصراع.
ومع ذلك، قررت أن أكتب وأن أنشر هذا المقال الآن لأن من رحم الصدمة والألم يجب أن تولد القناعة بأننا — نحن الإسرائيليين والفلسطينيين — لا يمكننا أن نستمر هكذا. حرب غزة يجب أن تكون آخر حرب إسرائيلية-فلسطينية. سيستغرق الوصول إلى هذا الوعي وقتًا أطول، لكنه يتطلب أيضًا أصواتًا وأفعالًا تُسهم في بناء مستقبل يقوم على فهم أن علينا أن نصنع السلام على أساس المساواة في الحقوق لكلا الشعبين — الإسرائيلي والفلسطيني — اللذين يعيشان على قطعة الأرض نفسها التي يسميها كلٌ منهما وطنًا.
لقد عشنا خلال العامين الماضيين معاناة تفوق أي فترة منذ عام 1948. وكما تكرّر القول، فإن السابع من أكتوبر كان بالنسبة لليهود في إسرائيل والعالم اليوم الأكثر صدمة منذ المحرقة. يعيش الإسرائيليون هذا اليوم مرارًا، من خلال القصص التي تُروى وتُعاد روايتها في وسائل الإعلام — في كل صحيفة، وكل محطة إذاعية وتلفزيونية، وفي كل اجتماع عام. أما الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية والقدس، وكذلك الفلسطينيون حول العالم، فقد عاشوا أكبر صدمة وطنية منذ النكبة، بل وصف كثيرون العامين الماضيين بأنهما أسوأ من النكبة نفسها.
فيما يشاهد العالم بأسره الدمار الشامل لغزة: مليونا إنسان بلا مأوى، اقتصاد مدمَّر، لا بنية تحتية، لا منازل قائمة، لا طرق، لا كهرباء، لا مياه عذبة، لا شبكات صرف صحي، لا مدارس ولا جامعات ولا مبانٍ عامة، ودُمّرت تقريبًا جميع دور العبادة — ملايين الأطنان من الركام جراء القصف الإسرائيلي — يصعب جدًا تخيّل كيف ينجو الناس من يوم إلى آخر.
أما الضفة الغربية فقد تدهور وضعها بشدة خلال العامين الماضيين، حيث قُتل أكثر من ألف فلسطيني على يد المستوطنين والجيش الإسرائيلي، وأُقيم أكثر من مئة بؤرة استيطانية جديدة صادرت مزيدًا من الأراضي الفلسطينية، وقطعت عصابات المستوطنين آلاف أشجار الزيتون، وأُجليت نحو 26 تجمعًا فلسطينيًا صغيرًا في الأغوار بسبب عنف المستوطنين، دون أن يحميهم أحد أو يدافع عن حقوقهم.
ومع ذلك، فبعد ما يقارب الثمانين عامًا من الصراع، صمد الشعبان، الإسرائيلي والفلسطيني. وكلاهما طوّر روحًا متشابهة للبقاء، وكلاهما يتحدث عن الخلود والبقاء الأبدي لهويته.
الادعاء العبثي بالنصر من كلا الجانبين يجب أن يهزّ ضمائرنا وأجسادنا. لا يوجد منتصرون في هذه الحرب، ولا يمكن أن يوجد نصر وسط كل هذا الألم والمعاناة. لا يوجد سوى خاسرين على الجانبين. لكن كلاهما سيرفع علمه بفخر ليكرّم موتاه، فيسميهم أبطالًا أو شهداء، ولعلّ هذا هو السبيل الوحيد لتكريم من ضحوا بأرواحهم إيمانًا بأنهم خدموا قضية شعبهم.
أعلم أنه في وقت ما من المستقبل سيظهر سرد جديد ينظر إلى العامين الماضيين على أنهما أحلك فترة في تاريخنا.
إن الاعتقاد بعدم وجود شريك للسلام على الطرف الآخر لم يبدأ في السابع من أكتوبر. فمنذ الانتفاضة الثانية عام 2000 ترسخت رواية «لا شريك للسلام» لدى الطرفين. وأقول بألم إنني على مدى عقدين سمعت من آلاف الإسرائيليين وآلاف الفلسطينيين العبارة ذاتها: «أنا أريد السلام، لكنهم هم لا يريدونه».
ومن الناحية الموضوعية، لا سبب وجيه لتصديق العكس. فمنذ اندلاع الانتفاضة الثانية، وباستثناء فترات قصيرة من الأمل، تعامل الإسرائيليون والفلسطينيون مع بعضهم كأعداء، وانتهجوا سياسات عززت رواية انعدام الشريك.
الفلسطينيون شاهدوا أرضهم تُصادَر باستمرار مع توسع المستوطنات، ورأوا عنف المستوطنين يتصاعد تحت حماية الجيش والشرطة، واقتصادهم يُسحق بالعقبات الإسرائيلية منذ ما قبل السابع من أكتوبر بسنوات. عاش الغزيون تحت حصار عسكري منذ عام 2005، أي قبل أن تسيطر حماس على القطاع بعامين. رأى الفلسطينيون الكنيست يصوّت ضد إقامة دولة فلسطينية، ورأوا حذف أي ذكر إيجابي للفلسطينيين من الكتب الدراسية الإسرائيلية، وتجريم ذكر «النكبة».
أما الإسرائيليون، فشاهدوا لسنوات احتفال فلسطينيين بعمليات قتل الإسرائيليين، ورأوا السلطة الفلسطينية في عهد ياسر عرفات تدعم الانتفاضة وتستورد الأسلحة وتدفع أموالًا لمنفذي العمليات، وتمتنع أحيانًا عن مواجهة حماس. كما شاهدوا الفلسطينيين ينتخبون حكومة حماس التي تعلن التزامها بتدمير إسرائيل. ويعتقد الإسرائيليون أنهم انسحبوا من غزة عام 2005 ليُقابَلوا بالصواريخ. ورأوا بعد السابع من أكتوبر مظاهر فرح في بعض الأوساط الفلسطينية عقب مقتل وخطف إسرائيليين. ويعرف الإسرائيليون أن الكتب الفلسطينية تُدرّس الكراهية، وأن السلطة تدفع رواتب لعائلات الأسرى وفق مدة الحكم أو عدد الإسرائيليين الذين قُتلوا.
هناك مئات الأمثلة التي يمكن أن تُذكر حول كيفية ترسيخ هذا التصور المتبادل بعدم وجود شريك للسلام، بينما من الصعب أن نجد أمثلة على قادة أو تيارات رئيسية في المجتمعين تشجع بصدق على السعي نحو سلام حقيقي.
خلال العام القادم ستُجرى انتخابات في كل من إسرائيل وفلسطين. لكن النظر إلى الساحة السياسية في الجانبين لا يُلهم الكثير من الأمل. في إسرائيل يتنافس المرشحون على من يطرح مواقف أكثر تطرفًا وعدوانية، بدل أن يقودوا الرأي العام نحو رؤية أفضل. يفتقرون جميعًا إلى رؤية لمستقبل أفضل لإسرائيل. لا أحد منهم يُلهِم الناس. لا أحد منهم يقدّم حلمًا لإدماج إسرائيل في الشرق الأوسط ضمن شراكات للأمن والسلام والازدهار.
أين هم قادة الجيل الإسرائيلي القادم الذين يعلنون أن لا حل عسكريًا للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وأن هذا الصراع لا يمكن إدارته بل يجب حله؟ أين هم القادة الشجعان الحكماء الذين يقولون إن كل إنسان يعيش بين النهر والبحر يجب أن يتمتع بالحقوق ذاتها؟
الشعب الفلسطيني يعيش على هذه الأرض، وله الحق في تقرير مصيره الوطني في سلام مع دولة إسرائيل — هذا هو نوع القيادة الأخلاقية التي تحتاجها إسرائيل، وخصوصًا بعد حرب غزة.
أما الساحة الفلسطينية فهي أيضًا محبطة. لا أصوات بارزة بين السياسيين الفلسطينيين تعترف بأن لا استراتيجية فلسطينية قابلة للحياة لتحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح.
لن يحرر الفلسطينيون وطنهم بقتل الإسرائيليين.
أين هم القادة الفلسطينيون من الجيل الشاب الذين يريدون العيش في حرية وسلام وأمن وازدهار — وهي أمور لا تتحقق إلا بصنع سلام حقيقي مع إسرائيل؟
نعم، أقول لأصدقائي الفلسطينيين: لديكم حق مقاومة الاحتلال حتى بالسلاح (ضد الجيش لا المدنيين). هذا الحق قائم، لكن أليس الوقت قد حان لإعلان أن الكفاح المسلح لم يعد خيارًا، لأنه لم يحقق شيئًا — فقط انظروا إلى غزة؟
أين هم القادة الذين ينتقدون خطأ من أنكروا الارتباط التاريخي والديني للشعب اليهودي بأرض إسرائيل؟ كيف يمكن لأي مسلم صادق أن يقول ذلك إذا قرأ القرآن الكريم؟
من الممكن أن تقولوا لشعب إسرائيل: نحن كفلسطينيين نعترف بالصلة التاريخية والدينية للشعب اليهودي بهذه الأرض، لكن يمكنكم أيضًا تذكيرهم أن اليهود لم يكونوا وحدهم هنا قط — فهنا دائمًا الآخرون، وهم الشعب الفلسطيني.
أين هم القادة الفلسطينيون الذين يقفون ليقولوا للناشطين المؤيدين لفلسطين حول العالم إن شعار «من النهر إلى البحر، ستكون فلسطين حرة» يضر بالقضية الفلسطينية لأنه يتجاهل واقع إسرائيل ويرسل رسالة أن الهدف هو محوها؟ كيف سيساعد ذلك الفلسطينيين على نيل الحرية والكرامة؟
ما يجب أن نسمعه من معسكرَي المؤيدين لإسرائيل وفلسطين هو: «من النهر إلى البحر، على دولتين نتفق!»
كيف يمكن للإسرائيليين والفلسطينيين أن يتصوروا أرض فلسطين/إسرائيل خالية من أحد الشعبين؟ التطهير العرقي جريمة ضد الإنسانية ويجب رفضه من الجانبين.
اليهود الإسرائيليون والعرب الفلسطينيون أعدادهم متقاربة بين النهر والبحر، وكلهم ينتمون إلى هذه الأرض. إنكار شرعية الوجود القومي المتبادل لم يجلب سوى الموت والدمار.
من رحم حرب غزة يجب أن تولد يقظة جديدة تدفعنا إلى إيجاد طريق للعيش بسلام في هذه الأرض، والطريقة الوحيدة لذلك هي الاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير.
حل الدولتين مطروح منذ عام 1936، وهو اليوم أكثر حضورًا من أي وقت مضى.
وللوصول إليه، نحتاج إلى أن يستمر المجتمع الدولي في الاعتراف بدولة فلسطين.
صحيح أن ذلك لا يغيّر واقع الاحتلال ولا يحسّن حياة الفلسطينيين فورًا، لكن علينا أن نسأل أنفسنا: كيف سنجعل إسرائيل تعترف بدولة فلسطين؟ هذا هو الهدف الأسمى، إلى جانب قبول الفلسطينيين بشرعية ارتباط الشعب اليهودي بأرض إسرائيل.
يجب إعادة صياغة رؤية حل الدولتين على أنها دولتان تعيشان بسلام وتعاون عميق، لا «نحن هنا وهم هناك» تفصلنا جدران وأسوار عالية.
يجب أن نبدأ تنفيذ هذه الرؤية بالتأكد من أن جميع الإسرائيليين يتعلمون العربية منذ الصف الأول، وجميع الفلسطينيين يتعلمون العبرية منذ الصف الأول. لا ينبغي أن يكون في ذلك ما يثير الخوف، فهما لغتان شقيقتان تشتركان في الكثير من الكلمات، وتعلّم لغة أخرى منذ الصغر هو أعظم هدية للأطفال.
علينا أن ندرك أنه من غير المنطقي أن ترغب إسرائيل في أن يكون جيرانها فقراء.
ازدهار الفلسطينيين مصلحة وطنية إسرائيلية، وعلى إسرائيل أن تزيل العقبات أمام التنمية وأن تتعاون مع الحكومة والقطاع الخاص الفلسطيني لضمان النجاح الاقتصادي. الجيران السعداء المزدهرون هم جيران طيبون.
لكن علينا أيضًا أن نعلم أنه لا يمكن تحقيق سلام اقتصادي بدون سلام سياسي.
يجب أن يتمتع كل من الإسرائيليين والفلسطينيين بالكرامة الوطنية والاحترام وتقرير المصير — هذا جزء أساسي من ثقافة الطرفين، وعنصر ضروري لتحقيق سلام حقيقي.
لدينا الكثير لنفعله لطيّ الصفحة وخلق واقع جديد للإسرائيليين والفلسطينيين.
هذا أمر لا مفر منه إذا كنا نريد العيش بسلام وأمان.
إنه واجب علينا أن نحمله كأولوية قصوى في مجتمعاتنا الآن.
سيكون من الصعب جدًا تجاوز مشاعر الكراهية والخوف والاحتقار.
لا يمكننا ببساطة أن «نسامح وننسى» ونتابع حياتنا — سنتذكّر جميعًا ولن ننسى.
لكننا لن نكون أول الشعوب التي تضطر إلى سلوك طريق المصالحة.
إذا كانت إسرائيل وألمانيا قد وجدتا طريقًا للمصالحة والعلاقات الجيدة بعد المحرقة، فإن الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني قادران على ذلك أيضًا.
في المستقبل، سيتعيّن علينا مواجهة الحقيقة والمصالحة، ويمكن أن يبدأ ذلك بالاعتراف بأن الخيار الحقيقي الوحيد لشعبين يحملان إرث البقاء هو أن يمدّ كلٌ منهما يده للآخر اعترافًا متبادلًا بحقوقهما الوطنية على الأرض بين النهر والبحر.
