مخاطر العمليات العسكرية الهادفة إلى تغيير الأنظمة
لقد أظهرت محاولات سابقة لتغيير الأنظمة، والتي بُرِّرت بادعاءات تتعلق بالتهديدات الأمنية أو الأزمات الإنسانية، أنها غالباً ما أدّت إلى قدر أقل من الأمن ومزيد من المعاناة الإنسانية. ومن أبرز الأمثلة في العقود الأخيرة أفغانستان والعراق. ففي كلتا الحالتين شُنّت الحروب باسم الأمن العالمي وحماية المصالح الأمريكية، بهدف صريح يتمثل في إسقاط أنظمة اعتُبرت خطرة.
في عام 2001، هاجمت الولايات المتحدة وحلفاؤها أفغانستان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وكانت حكومة طالبان تؤوي تنظيم القاعدة وترفض تسليم المسؤولين عن تلك الهجمات. وتمكنت القوات الأمريكية وقوات الحلفاء بسرعة من إزاحة طالبان عن السلطة. غير أن ما كان يُتوقع أن يكون حملة قصيرة تحوّل إلى حرب استمرت عشرين عاماً. وقد كلّفت الحرب دافعي الضرائب في الولايات المتحدة ما يُقدَّر بنحو 2.3 تريليون دولار. وعندما انسحبت الولايات المتحدة وحلفاؤها في عام 2021، عادت حركة طالبان سريعاً إلى الحكم، وهو بالتأكيد ليس ما كان متوقعاً قبل عقدين.
وكانت الكلفة البشرية للحرب هائلة. فخلال الحرب في أفغانستان (2001–2021) قُتل 3,621 من أفراد قوات التحالف العسكرية. ودفع الشعب الأفغاني ثمناً أثقل بكثير: إذ قُتل نحو 46,000 مدني، كما خسرت القوات الحكومية الأفغانية، من جيش وشرطة وقوات أمنية أخرى، حوالي 66,000 فرد. وبعد عشرين عاماً من الحرب واستثمارات مالية ضخمة، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان العالم اليوم أكثر أمناً مما كان عليه قبل عام 2001.
أما المثال الكبير الثاني فقد وقع في العراق عام 2003 عندما غزت الولايات المتحدة وتحالف من الدول العراق وأسقطوا نظام صدام حسين. وبينما انهارت الحكومة العراقية خلال أسابيع، أدّى الغزو إلى سنوات من التمرد والعنف الطائفي وعدم الاستقرار السياسي الذي ما زال يؤثر في المنطقة حتى اليوم. وقد قُتل نحو 200,000 مدني عراقي خلال الصراع، بينما بلغ عدد القتلى في صفوف الجيش الأمريكي بين عامي 2003 و2011 نحو 4,431 جندياً. ومثل أفغانستان، أظهرت حرب العراق أن إسقاط نظام لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار أو الأمن. وقد كلّفت تلك الحرب دافعي الضرائب الأمريكيين حوالي 2.9 تريليون دولار.
تغيير النظام في إيران
اليوم يُسألني الناس تقريباً كل يوم عن رأيي في الحرب المتعلقة بإيران. لا شك أن نظام آيات الله يمثل تهديداً خطيراً، ليس فقط لإسرائيل والولايات المتحدة، بل أيضاً لكثير من المواطنين الإيرانيين أنفسهم ولجيران إيران في المنطقة. فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، رفع قادة إيران شعارات مثل “الموت لأمريكا” و“الموت لإسرائيل”، وغالباً ما رافقت هذه الشعارات أفعال ساهمت في زعزعة استقرار المنطقة.
السؤال الذي أطرحه مراراً هو: هل كان بالإمكان تجنّب هذه الحرب؟ هل كان هناك مسار آخر يمكن أن يمنع المواجهة العسكرية؟
إجابتي، وإن لم تكن مُرضية تماماً، هي أن المسار الذي سلكناه منذ عام 2009 على الأقل، والذي تشكّل إلى حد كبير بفعل قرارات استراتيجية اتخذتها الولايات المتحدة وإسرائيل، أوصلنا إلى نقطة يبدو فيها أن الحرب الهادفة إلى تغيير النظام هي الخيار الوحيد المتبقي أمام العديد من صانعي السياسات. لكن قبل قبول هذا الاستنتاج، من المفيد النظر فيما إذا كانت هناك بدائل كان يمكن اتباعها في السابق.
الحركة الخضراء في إيران عام 2009
كانت الحركة الخضراء عام 2009 أهم تحدٍ سياسي للجمهورية الإسلامية منذ ثورة عام 1979. وقد اندلعت بعد الانتخابات الرئاسية المتنازع على نتائجها في يونيو 2009، عندما اعتقد ملايين الإيرانيين أن النتائج الرسمية قد تم التلاعب بها لضمان فوز الرئيس آنذاك محمود أحمدي نجاد.
وبدا أن إيران تقف على حافة اضطراب ثوري. ففي 15 يونيو 2009 خرج ملايين الأشخاص إلى شوارع طهران في أكبر مظاهرة منذ ثورة عام 1979. وشارك في الاحتجاجات طلاب ومهنيون ومثقفون وناشطون في حقوق المرأة وأفراد من الطبقة الوسطى الذين كانوا يشعرون بالإحباط من القمع السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية. كما أعرب بعض الشخصيات المؤثرة داخل المؤسسة السياسية الإيرانية عن شكوكهم في نتائج الانتخابات أو انتقدوا رد الحكومة على الاحتجاجات. وقد اعتقد بعض المراقبين أن الجمهورية الإسلامية قد تدخل مرحلة من عدم الاستقرار.
كما تميزت الحركة الخضراء باستخدامها المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك، مما أتاح للمتظاهرين تنظيم الاحتجاجات وتبادل المعلومات بسرعة. ومن أبرز الرموز التي جسدت الحركة وفاة ندى آغا سلطان، وهي شابة قُتلت خلال إحدى المظاهرات. وقد انتشر مقطع فيديو للحظاتها الأخيرة في أنحاء العالم وأصبح رمزاً للاحتجاج ضد النظام.
ورغم هذه العوامل، لم تتحول الحركة إلى ثورة. فقد أعلن المرشد الأعلى علي خامنئي دعمه لفوز أحمدي نجاد وأمر بإنهاء الاحتجاجات. وظل الحرس الثوري الإيراني وميليشيا الباسيج، وهما من الركائز الأساسية لسلطة النظام، موالين للقيادة ولعبوا دوراً حاسماً في قمع المظاهرات. ومع تدخل هذه القوات، عاد ميزان القوى بسرعة لصالح الدولة.
لماذا لم تدعم إدارة أوباما الحركة بشكل نشط
كان كثيرون يتوقعون أن تدعم الولايات المتحدة، في عهد الرئيس باراك أوباما، المحتجين الإيرانيين بقوة. لكن الإدارة الأمريكية اتخذت موقفاً حذراً، حيث أعربت عن قلقها من العنف والقمع لكنها تجنبت تأييد حركة المعارضة علناً.
وكان أحد أسباب هذا الحذر هو الخشية من أن يؤدي الدعم الأمريكي العلني إلى الإضرار بالمحتجين. فالحكومة الإيرانية كثيراً ما تصوّر المعارضة الداخلية على أنها نتيجة لتدخل أجنبي، خاصة من الولايات المتحدة. وقد يؤدي الدعم العلني من واشنطن إلى تعزيز هذه الرواية.
كما كان هناك عامل آخر يتمثل في الاستراتيجية الأوسع لإدارة أوباما تجاه البرنامج النووي الإيراني. ففي ذلك الوقت كانت واشنطن تحاول فتح قنوات دبلوماسية مع طهران للتفاوض حول الحد من الأنشطة النووية الإيرانية. وكانت الإدارة تعتقد أن الدبلوماسية توفر أفضل فرصة لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية وتقليل التوترات في المنطقة.
ويرى منتقدو هذا النهج أن الولايات المتحدة أضاعت فرصة للوقوف بحزم إلى جانب ملايين الإيرانيين الذين كانوا يطالبون بالديمقراطية والإصلاح السياسي. بينما يرى مؤيدو موقف أوباما أن التدخل المباشر ربما كان سيقوض شرعية حركة الاحتجاج نفسها.
انتفاضة الحجاب
شهدت إيران موجات احتجاج أخرى في السنوات التالية، في 2017 و2019، ثم بشكل أكثر دراماتيكية في عام 2022 خلال احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”.
في سبتمبر 2022 شهدت إيران واحدة من أكبر الانتفاضات في تاريخها الحديث بعد وفاة مهسا أميني، وهي شابة كردية إيرانية تبلغ من العمر 22 عاماً اعتقلتها شرطة الأخلاق بسبب انتهاكها المزعوم لقانون الحجاب الإلزامي. ووفقاً لشهود وعائلتها، تعرضت أميني للضرب أثناء احتجازها. وقد نفت السلطات هذه الادعاءات، لكن وفاتها في 16 سبتمبر أشعلت احتجاجات واسعة في جميع أنحاء البلاد.
وبينما بدأت الاحتجاجات اعتراضاً على فرض الحجاب، سرعان ما تحولت إلى تحدٍ أوسع للنظام نفسه. فقد عبّر المتظاهرون عن غضبهم من القيود المفروضة على النساء، ومن القمع السياسي، والضائقة الاقتصادية، والفساد، وغياب المساءلة الديمقراطية. وشارك في الاحتجاجات طلاب وشباب وأقليات عرقية وأفراد من الطبقة الوسطى الحضرية، مما جعلها واحدة من أكثر الحركات الاحتجاجية تنوعاً في تاريخ إيران الحديث.
وردت الحكومة بحملة قمع شديدة. فقد استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والذخيرة الحية ضد المتظاهرين. وأفادت منظمات حقوق الإنسان بأن أكثر من 500 محتج قُتلوا، بينهم قُصَّر، كما اعتُقل عشرات الآلاف. كما فرضت السلطات قيوداً على الإنترنت في محاولة لعرقلة التواصل بين المتظاهرين.
مستقبل غير مؤكد
من المستحيل التنبؤ بما سيحدث إذا شُجِّع الإيرانيون مرة أخرى من قبل قادة أجانب، بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على النزول إلى الشوارع. ويُعتقد أن أكثر من 30,000 متظاهر قُتلوا على يد النظام خلال احتجاجات أواخر فبراير 2026. وإذا انهار النظام أو تفكك، فلا يوجد ما يضمن ظهور نظام ديمقراطي مستقر. وقد يكون البديل الفوضى أو التفكك أو حتى حرباً أهلية يمكن أن تزعزع استقرار المنطقة خارج حدود إيران.
في الوقت الحاضر لا يبدو أن هناك هدفاً نهائياً واضحاً في التخطيط الاستراتيجي لحرب تهدف إلى تغيير النظام في إيران. ويُظهر التاريخ أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية غالباً ما يؤدي إلى نتائج غير متوقعة يصعب السيطرة عليها.
وهذا الغموض لا يبشر بخير لمستقبل إيران، ولا لاستقرار المنطقة بأسرها.
