من حرب غزة إلى السلام
إزاحة حماس ليست كافية: لا بدّ أن يتغيّر واقع غزة
يجب أن يتغيّر الواقع الجديد في غزة. لا يكفي أن تتوقّف حماس عن السيطرة على القطاع.
أكتب هذا المقال بصفتي شخصًا دافع باستمرار وبلا التباس عن حقوق الفلسطينيين في الحرية وتقرير المصير والكرامة الوطنية. وأدرك أن بعض ما أكتبه قد لا يلقى قبولًا لدى كثير من أصدقائي وزملائي وشركائي الفلسطينيين (وربما لدى بعض أصدقائي الإسرائيليين أيضًا). الرسالة التي أقدّمها جاءت بعد حوارات عميقة، وغالبًا ما كانت صدامية، مع بعض كبار صانعي القرار في الولايات المتحدة.
يحاول هذا المقال التعامل مع واقعية السياسة في هذه الأيام، مع رغبة قوية في الوصول إلى نتيجة تدفعنا جميعًا نحو سلام حقيقي قائم على حق تقرير المصير للشعبين اللذين يتقاسمان الأرض بين النهر والبحر.
لقد تحقّقت الهزيمة العسكرية لحماس، وإن لم تكتمل بعد. إن قدرة حماس الحالية على الاستمرار في فرض إرادتها على غالبية سكان غزة هي نتيجة مباشرة لفراغ السلطة الذي نشأ مع الإعلان الرسمي عن نهاية الحرب، من دون إعدادٍ مسبقٍ لحلّ بديل يتمثّل في حكم فلسطيني بديل في غزة. وكان ينبغي إنجاز ذلك قبل أشهر طويلة، في إطار شراكة بين السلطة الفلسطينية والدول العربية الراغبة في رؤية فلسطين حرّة ومسالمة. لكن ذلك لم يحدث.
إن الحكم الفلسطيني البديل لغزة في طريقه إلى التشكّل، ومع دخولنا المرحلة الثانية من اتفاق إنهاء الحرب، ستبدأ المستويات المختلفة للواقع الجديد بالظهور قريبًا. وبعض ذلك يحدث بالفعل. لقد سعيتُ إلى الدفع باتجاه أن يشمل هذا الواقع الجديد أيضًا وضعًا لا يكون لإسرائيل فيه الحق في تحديد من أو ماذا يدخل إلى غزة أو يخرج منها. وأخشى أنني لم أنجح في إقناع أصحاب القرار بهذا الموقف.
ستظل لإسرائيل كلمة في مستقبل غزة، لأن صاحب القرار الأساسي سيكون الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب. ومن المتوقّع أن يجتمع “مجلس السلام” برئاسة الرئيس دونالد ترامب لأول مرة في وقت لاحق من هذا الشهر. وسيتكوّن المجلس من عشرة رؤساء دول أو أكثر لهم مصالح في المنطقة – من المرجّح أن يشمل ذلك بعض قادة الدول العربية، ولكن على ما يبدو من دون رئيس وزراء إسرائيل.
وسيكون تحت مجلس السلام لجنة تنفيذية تضم شخصيات رفيعة المستوى مثل ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، وتوني بلير، وآخرين ذوي خلفيات مشابهة. وستعمل اللجنة التنفيذية كجهة اتصال مباشرة ومشرفة على لجنة الحكم الفلسطينية التكنوقراطية المسؤولة عن إدارة الشؤون اليومية في غزة. وسيتولى المسؤول الأممي السابق والسياسي البلغاري نيكولاي إفتيموف ملادينوف مهمة منسّق اللجنة التنفيذية مع لجنة الحكم الفلسطينية.
وحسب أفضل ما لديّ من معلومات، فقد تم اختيار أعضاء اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية. وقد خضعوا لعملية تدقيق طويلة قادتها الولايات المتحدة، بمشاركة مكثّفة من الدول العربية التي سعت إلى تعيين أشخاص مقرّبين منها، بما في ذلك محاولات تدخّل من أعلى المستويات في السلطة الفلسطينية. وفي نهاية المطاف، يبدو أن القرار النهائي كان بيد الأمريكيين.
ومن خلال ما أفهمه، فإن الأعضاء الذين جرى اعتمادهم في لجنة الحكم الفلسطينية التكنوقراطية هم جميعًا فلسطينيون جادّون، مخلصون، ووطنيون، وقد أظهروا بوضوح وعلى مدى سنوات موقفهم الرافض لحماس وازدراءهم لنهجها.
لقد حاولت إقناع أصحاب القرار بضرورة تضمين منصب لمسؤول فلسطيني رفيع، يحظى باحترام الشعب الفلسطيني وكذلك الإسرائيليين، من أجل توفير تمثيل سياسي للفلسطينيين على مستوى اللجنة التنفيذية، وليكون أيضًا حلقة وصل بين اللجنة الفلسطينية والشعب والحكومة في إسرائيل.
وسيحيط بكل هذه المستويات الجديدة من الحكم وجودُ قوة الاستقرار الدولية. وستعمل هذه الطبقات مجتمعة على ضمان نزع سلاح حماس، لكن ذلك لن يحدث بين ليلة وضحاها. فعملية تفكيك ترسانة حماس ستستغرق وقتًا طويلًا.
هل ستتحسّن حياة الفلسطينيين في غزة؟
الاختبار الأهم لنجاح هذه العملية سيكون مدى التحسّن السريع والملموس في حياة أكثر من مليوني فلسطيني في غزة. فبالنسبة لسكان القطاع، فإن المواقف السياسية للجنة الحكم الجديدة أقل أهمية بكثير من قدرتها على تنظيم الحياة اليومية، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وإعادة بناء الاقتصاد، والانخراط في عملية إعادة إعمار سريعة وفعّالة.
ومن وجهة نظر الولايات المتحدة، وبضغط قوي من إسرائيل، سيُقاس نجاح هذه العملية أيضًا بمدى تغيّر المجتمع الغزّي واستعداده للعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل.
لقد تأثّر المجتمع الغزّي بعمق وبشكل سلبي بما يقارب عقدين من حكم حماس وسيطرتها. وعلى الرغم من أن حماس لم تفرض الشريعة الإسلامية قانونًا رسميًا للبلاد، فإن حكمها خلّف آثارًا اجتماعية ومعرفية عميقة. وشمل ذلك ترسيخ مشاعر الكراهية تجاه إسرائيل، وهو أمر لم يكن صعبًا في ظلّ الواقع القاسي للحياة في غزة. كما تشكّلت ذهنية كثير من سكان غزة خلال 18 عامًا من الحصار والهجمات العسكرية الإسرائيلية المتكرّرة، التي كانت غالبًا ما تُستفزّ بهجمات حماس أو حركة الجهاد الإسلامي الفلسطيني ضد المدنيين في إسرائيل.
إن الواقع الجديد لغزة يجب أن يتغيّر. لا يكفي أن تفقد حماس سيطرتها على القطاع. يجب أن يلمس الناس التغيير في حياتهم اليومية، وأن يظهر التغيير أيضًا في الصفوف الدراسية. ولا شكّ لديّ في أن تغييرات فورية ستطرأ على جميع المناهج الدراسية في غزة.
ينبغي للمناهج الدراسية في غزة (وكذلك في الضفة الغربية) أن تُعزّز هوية وطنية فلسطينية واثقة بنفسها، وأن تتناول الثقافة، والأدب، واللغة العربية، والعلوم، والرياضيات، والاقتصاد، واللغة الإنجليزية، وعلوم الحاسوب، وكل ما يلزم لبناء مجتمع فلسطيني حديث وناجح، مستعد للعيش بسلام إلى جانب إسرائيل.
كما ينبغي أن تشمل هذه المناهج دراسة اللغة العبرية، والاعتراف الواضح بأن الشعب الفلسطيني يتقاسم هذه الأرض مع الشعب اليهودي الإسرائيلي، وأن لكلا الشعبين ارتباطًا دينيًا وتاريخيًا مشروعًا بالوطن نفسه. وآمل بصدق أنه عندما يقوم مثل هذا النظام التعليمي في غزة، وفي الضفة الغربية أيضًا، إن شاء الله، فإن ذلك سينعكس بتأثير مماثل على الجانب الإسرائيلي.
يبدو أن الولايات المتحدة ومجلس السلام سيباشران بإطلاق نظام جديد لكيفية مساهمة المجتمع الدولي، ليس فقط في تقديم المساعدات الإنسانية لغزة، بل أيضًا في كيفية إعادة إعمارها. ووفقًا لما شهدناه خلال الشهرين ونصف الماضيين منذ نهاية الحرب، فإن منظمات الإغاثة الدولية التي يُنظر إليها على أنها معادية لإسرائيل لن يُسمح لها بعد الآن بالعمل في غزة، وقد حدث ذلك بالفعل.
وأعتقد أن جزءًا كبيرًا من المساعدات ومشاريع إعادة الإعمار سيوجَّه إلى القطاع الخاص بدلًا من المنظمات غير الحكومية الدولية. ومن فهمي أن إسرائيل ستظلّ لها كلمة في تحديد الجهات المعتمدة للعمل في غزة. وهذا يفتح الباب أمام منظمات ومشاريع من القطاع الخاص تدعو إلى السلام الفلسطيني–الإسرائيلي للاضطلاع بدور إيجابي في إعادة إعمار غزة. وبالنظر إلى المستقبل، يبدو أن غزة ستكون نموذجًا تجريبيًا لخطط الولايات المتحدة وحلفائها بشأن مستقبل الضفة الغربية أيضًا.
أنا على يقين من أنه لو عُرض هذا التصوّر للمستقبل على محامين دوليين ومنظمات حقوق إنسان دولية، لبادَروا إلى رفضه وانتقاده فورًا، بحجّة أن سيادة القانون الوحيدة التي يجب تطبيقها في غزة هي القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
وسيكونون محقّين من وجهة نظرهم القانونية الصارمة. فمن منظورهم، سيكون الطرح الوارد في هذا المقال غير مشروع وخارجًا عن الإطار المقبول، لأن ما تسعى إليه الولايات المتحدة هو أقصر طريق نحو سلام إسرائيلي–فلسطيني حقيقي، قائم على الاعتراف المتبادل الكامل بشرعية الحركتين الوطنيتين، وتحقيق حق تقرير المصير للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، والبدء بتقديس الحياة بدلًا من تمجيد الموت في صراع دام بين هذين الشعبين على مدى مئة عام.
إن الرؤية الأمريكية لغزة ولفلسطين تنقل التركيز من خطاب حقوق الإنسان المجرّد ومن شيطنة إسرائيل، إلى محاولة صياغة رؤية سياسية فلسطينية ترى في إسرائيل شريكًا في السلام. وإذا كُتب النجاح لهذه المهمة، فإنها ستؤثّر أيضًا في الرأي العام الإسرائيلي تجاه فلسطين وتجاه السلام.
الكاتب هو مدير شؤون الشرق الأوسط في منظمة المجتمعات الدولية، والرئيس المشارك لتحالف الدولتين.
