مستقبل جديد، مسار جديد
هناك لحظات في حياة الشعوب تصبح فيها اللغة السياسية القديمة عاجزة عن التعبير، وتفقد فيها القيادات القديمة قدرتها على الإلهام، ولا تعود الأعذار القديمة تقنع أحدًا. الفلسطينيون يعيشون اليوم مثل هذه اللحظة. وكذلك الإسرائيليون. والمنطقة كلها تقف أمام فرصة نادرة لتحويل المأساة إلى أفق سياسي جديد.
يجب أن تنتهي الحرب في غزة فعليًا، ليس فقط بصمت البنادق، بل بولادة واقع سياسي جديد. فمن دون ذلك، ستتحول هذه الحرب إلى فصل آخر في التاريخ نفسه من الفشل: دمار، وحداد، ووعود بإعادة الإعمار، ومزيد من الاحتلال، ومزيد من التطرف، ومزيد من اليأس، ثم الانفجار القادم. هذا ليس مستقبلًا. هذا فخ.
هناك ساحتان سياسيتان تتطلبان الآن عملًا فوريًا وجادًا.
الساحة الأولى هي الساحة الفلسطينية نفسها. يجب على الشعب الفلسطيني أن يذهب إلى انتخابات وطنية جديدة — رئاسية وتشريعية — كما وعد محمود عباس في رسالته إلى الرئيس إيمانويل ماكرون وولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل عام. ووفقًا لذلك الوعد، يجب أن تُجرى الانتخابات خلال عام واحد من انتهاء الحرب في غزة. وينبغي أن تُجرى قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة. لا يجوز أن يصل الفلسطينيون إلى نقطة التحول السياسية القادمة في إسرائيل وهم يحملون القيادة المنهكة نفسها، والمؤسسات المشلولة نفسها، والادعاء نفسه الذي تردده إسرائيل والعالم بأنه “لا يوجد شريك فلسطيني”.
يجب أن تشمل هذه الانتخابات الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. فهذه ليست ثلاث وقائع سياسية منفصلة. إنها وحدة إقليمية واحدة ومتكاملة — أرض الدولة الفلسطينية المستقبلية. وأي عملية سياسية تتعامل مع غزة ككيان منفصل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية لن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، بل ستنتج ترتيبًا مؤقتًا آخر سينهار تحت ثقل عدم صدقه.
وقبل إجراء الانتخابات، يجب إقرار قانون انتخابات فلسطيني جديد. ويجب أن يكون المبدأ واضحًا: سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد. لا ينبغي السماح لأي جماعة مسلحة، أو ميليشيا، أو تنظيم يحتفظ بالسلاح خارج سلطة الدولة، أو حزب يؤيد الكفاح المسلح، بالمشاركة في الانتخابات. فالديمقراطية لا يمكن أن تكون رخصة لإلغاء نفسها، ولا يمكن بناؤها تحت ظل سلاح متنافس.
هذا ليس مطلبًا لمصلحة إسرائيل. إنه أولًا وقبل كل شيء مصلحة وطنية فلسطينية. فالدولة التي لا تسيطر على سلاحها ليست دولة. والحكومة التي لا تستطيع تطبيق القانون على الجميع بالتساوي ليست حكومة. والنظام السياسي الذي تتنافس فيه الفصائل المسلحة مع المؤسسات المنتخبة ليس ديمقراطية، بل وصفة لصراع داخلي، وفساد، وتدخلات خارجية، وضعف دائم.
الشعب الفلسطيني يستحق ما هو أفضل: نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا، خاضعًا للمساءلة، حديثًا، يخدم المواطنين لا الفصائل، ويحمي الحريات، ويشجع التعددية، ويفتح أفقًا حقيقيًا للاستقلال والازدهار والسلام. النساء والشباب والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمهنيون والقيادات المحلية يجب ألا يكونوا مجرد ديكور في النظام السياسي الفلسطيني القادم. يجب أن يكونوا في مركزه.
لقد أثبتت انتخابات اللجنة المركزية الأخيرة لحركة فتح، مرة أخرى، أن فتح لم تعد أداة صالحة للمستقبل. الحرس القديم أعاد انتخاب نفسه. الوجوه نفسها، والعادات نفسها، والثقافة السياسية نفسها، والعجز نفسه عن مخاطبة الجيل الشاب، وغزة، والشتات، والنساء، والمهنيين، وكل من يريد الكرامة والحكم النزيه بدلًا من الشعارات والمحسوبية.
كانت فتح ذات يوم حركة تحرر وطني. أما اليوم، فتبدو كحزب الأمس. ما زالت تحمل شرعية تاريخية، لكن الشرعية التاريخية وحدها لا تكفي لحكم المستقبل. الحركة التي لا تستطيع تجديد نفسها لا تستطيع تجديد شعب. والقيادة التي تخاف من الديمقراطية لا تستطيع بناء دولة ديمقراطية. والحزب الذي تعيد انتخاباته الداخلية إنتاج الماضي لا يستطيع أن يقود نهضة وطنية.
لهذا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى اتجاهات جديدة، وأحزاب جديدة، ولغة جديدة من المسؤولية الوطنية. يحتاج إلى حركات تتحدث بصدق عن الحرية، والديمقراطية، وسيادة القانون، والتنمية الاقتصادية، والمساواة، واللاعنف، والاندماج الإقليمي، والسلام. يحتاج إلى سياسة لا تخلط بين التشدد والاستراتيجية، ولا بين الشعارات والإنجاز، ولا بين بقاء القيادة وتحرير الشعب.
ولهذا أيضًا تكتسب أفكار مثل حزب مسار جديد، الذي أسسته مجموعة واسعة من ممثلي الأجيال الشابة ومن بينهم الناشط السابق في حركة فتح سامر سنجلّاوي، أهمية خاصة. فالمسار السياسي الفلسطيني الجديد يجب أن يقوم على قناعة راسخة بأن الشعب الفلسطيني يستحق نظامًا ديمقراطيًا، عادلًا وحديثًا — نظامًا يخدم المواطنين لا الفصائل؛ يحمي الحريات؛ يرفض العنف كأداة سياسية؛ ويسعى إلى الاستقلال عبر الدبلوماسية، والشراكة الإقليمية، والحكم الخاضع للمساءلة.
يجب على الاتحاد الأوروبي أن يستخدم نفوذه لدى الرئيس عباس والسلطة الفلسطينية؛ ويجب على الدول العربية أن تفعل الأمر نفسه. على مصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات والمغرب أن تتحدث بصوت واحد: التجديد الوطني الفلسطيني ضرورة، وليس مجرد إصلاحات سياسية ومؤسساتية شكلية. يجب إجراء الانتخابات. يجب تغيير القانون. ويجب أن يفتح النظام القديم الباب أمام جيل جديد.
الساحة الثانية هي الساحة الإقليمية والدولية. على قطر والسعودية والإمارات ومصر والأردن أن تنسق حملة سياسية جدية تجاه الرئيس ترامب. لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن لترامب تأثيرًا على صناعة القرار في إسرائيل لا يملكه أي زعيم عالمي آخر. لا يستطيع أي رئيس وزراء إسرائيلي — سواء كان نتنياهو أو غيره — تجاهل رئيس أميركي مصمم، خصوصًا إذا كان مدعومًا من المنطقة العربية وبحزمة واضحة من الأمن والتطبيع والتنمية والسلام.
الحكومة الإسرائيلية المقبلة لن تنهي طوعًا الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ولن تقبل طوعًا بدولة فلسطينية، ولن تفكك طوعًا بنية الاحتلال الدائم. ستتحرك فقط إذا وُجد إطار خارجي قوي يجعل ثمن الرفض أعلى من ثمن الاتفاق. هذا الإطار يجب أن يأتي من واشنطن، لكنه يجب أن يُدفع ويُصاغ ويُدعم من المنطقة العربية.
على الدول العربية أن تقول لترامب مباشرة: لقد حان الوقت لتحويل النقطتين 19 و20 من خطته هو إلى خطة عمل. إن “مسارًا موثوقًا” نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة لا يمكن أن يبقى مجرد عبارة في وثيقة. و“الأفق السياسي” لا يمكن أن يبقى زينة دبلوماسية. يجب أن تتحول هذه الكلمات إلى جدول زمني، وآلية، وعملية سياسية ملزمة.
يجب أن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية جزءًا من بنية إقليمية أوسع: منزوعة السلاح، منزوعة التطرف، ديمقراطية، ومتطورة. يجب أن تعيش إلى جانب إسرائيل ضمن نظام إقليمي للتعاون الأمني، والتنمية الاقتصادية، والعلاقات الدبلوماسية، والاعتراف المتبادل. فالأمر يتعلق بشرق أوسط جديد تُفهم فيه حرية الفلسطينيين وأمن الإسرائيليين كحقيقتين مترابطتين لا كتناقضين.
لن تكون فلسطين حرة إذا لم تكن إسرائيل آمنة. ولن تكون إسرائيل آمنة إذا لم يكن الفلسطينيون أحرارًا. هذه الحقيقة يجب أن ترشد المرحلة المقبلة.
هذا لن يحدث من تلقاء نفسه، ولا نتيجة كرم إسرائيلي، ولا عبر المزيد من البيانات الدولية. سيحدث فقط إذا عمل الفلسطينيون والعرب والأوروبيون والأميركيون والإسرائيليون المؤمنون بالسلام معًا، وبإلحاح ووضوح.
التسلسل واضح: إنهاء حرب غزة فعليًا. إقرار قانون انتخابات فلسطيني جديد يقوم على مبدأ سلطة واحدة وسلاح واحد. بناء قوى سياسية فلسطينية جديدة. إجراء انتخابات فلسطينية في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. دفع ترامب إلى تحريك إسرائيل نحو اتفاق حقيقي على حل الدولتين. إدماج هذا الاتفاق في بنية إقليمية للأمن والاقتصاد. وجعل وعد الدولة الفلسطينية حقيقة — لا في يوم ما، ولا بعد جيل آخر من المعاناة، بل ضمن عملية سياسية محددة تبدأ الآن. وفي مكان ما ضمن هذه العملية ستجري إسرائيل أيضًا انتخابات، ونأمل أن تؤدي إلى إنهاء حكم نظام نتنياهو-سموتريتش-بن غفير الكارثي.
المنطقة لا تحتاج إلى شعار آخر. إنها تحتاج إلى مسار جديد. والفلسطينيون لا يحتاجون إلى قيادة مُعاد تدويرها. إنهم يحتاجون إلى مستقبل جديد. والإسرائيليون لا يحتاجون إلى وهم آخر بأن الصراع يمكن إدارته إلى الأبد. عليهم أن يفهموا أن أمنهم يعتمد على حرية الفلسطينيين.
مستقبل جديد ممكن. لكنه لن يُمنح لنا. يجب أن نصنعه. ويجب أن يبدأ الآن.
