اليوم هو بداية اليوم التالي
11 أكتوبر 2025
نحن الإسرائيليون والفلسطينيون نستيقظ هذا الصباح لأول مرة منذ عامين، وقد نسمح لأنفسنا بابتسامة صغيرة. في الأيام القادمة، عندما نرى الرهائن الإسرائيليين يعودون إلى بيوتهم، سيمتلئ قلبنا بدموع الفرح ونحن نشاهد الأحياء منهم يعانقون أحبّاءهم، وسنذرف دموع الحزن والأسى ونحن نستقبل جثامين من قضوا منهم. سنشترك جميعًا في الفرح وفي الألم. ومن المهم أن نفهم أن على الجانب الفلسطيني أيضًا ستُذرف دموع الفرح بعودة الأسرى إلى عائلاتهم، ودموع الحزن على أحبّائهم الذين دُفنوا تحت أنقاض البيوت والمباني التي قصفتها إسرائيل. سيعود الغزيون إلى بيوت لم تعد قائمة، وسينظرون إلى السماء متسائلين: كيف يمكن إعادة بناء الحياة بعد مآسي العامين الماضيين؟ هذه أوقات صعبة علينا جميعًا.
أما نحن الإسرائيليين، فالتحدي الذي يواجهنا الآن هو محاسبة رئيس حكومتنا وحكومتنا على فشلهم. يجب أن يتحملوا المسؤولية عن إخفاقهم في حمايتنا في السابع من أكتوبر. يجب إرغام نتنياهو وحكومته على الاعتراف بمسؤوليتهم عن تحويل حماس إلى أصل، والسلطة الفلسطينية إلى عبء. يجب محاسبتهم على عجزهم الكامل بعد ذلك اليوم، وعلى تطرفهم ونهجهم المسيحاني الذي لن يجلب لنا سوى المزيد من الكوارث بسبب سياساتهم الخطيرة في الضفة الغربية: التوسع الاستيطاني المنفلت، عنف المستوطنين المدعوم من الجيش والشرطة. أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية قُتلوا خلال العامين الماضيين، وآلاف أشجار الزيتون قُطعت على يد المستوطنين والجيش. تُسرق المزيد من الأراضي الفلسطينية، واقتصاد الضفة محطّم بينما تحتجز حكومة إسرائيل أكثر من ملياري دولار من أموال الضرائب التي تجبيها لصالح السلطة الفلسطينية وفق اتفاق باريس. والسبب الوحيد الذي أراه لعدم انفجار الضفة الغربية بالعنف هو أن الفلسطينيين هناك لا يريدون أن تتحول قراهم ومدنهم إلى مأساة تشبه مأساة غزة.
الفلسطينيون في غزة يدركون أن حماس ارتكبت انتحارًا وطنيًا جماعيًا في السابع من أكتوبر، دون أن تسأل الشعب الفلسطيني إن كان مستعدًا لدفع ثمن قرارها. لقد دفع الفلسطينيون ثمن تطرّف حماس ولا مسؤوليتها، وهم اليوم يشهدون نتيجة قرارات مجنونة لأشخاص مثل السنوار. ما أفهمه أن الغزيين لا يريدون أن يروا حماس في حياتهم مجددًا. عليهم الآن أن يواجهوا تبعات تلك اللا مسؤولية والفكر المتطرّف الذي ظنّ أن في وسعه تدمير إسرائيل، فإذا بإسرائيل تدمر غزة.
رغم الواقع العبثي الذي يصنع فيه كل طرف رواية انتصارٍ لنفسه، لا يوجد منتصرون. لم ينتصر أحد في هذه الحرب. الشعبان الإسرائيلي والفلسطيني خاسران معًا. لا يستطيع أحد أن يدّعي النصر. الذين أبقوا على هذا الصراع طوال العقود الماضية يجب أن يُحاسبوا من قبل شعبيهما. الدرس الأهم من العامين الماضيين هو أننا لا يمكن أن نستمر في فعل هذا ببعضنا البعض. يجب أن تكون هذه آخر حرب إسرائيلية-فلسطينية. هناك أعداد متقاربة من الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون على هذه الأرض بين النهر والبحر، ولن يتغير ذلك. يجب أن نتخلص من قادتنا الذين يرفضون مواجهة حقيقة أن هذه الأرض وطن مشترك. يجب أن نتحرر من الوهم القائل بوجود حل عسكري لهذا الصراع. لا يوجد كفاح مسلح قابل للحياة بالنسبة للفلسطينيين؛ فلن تتحرر فلسطين بقتل الإسرائيليين. على منظمي استطلاعات الرأي الفلسطينيين أن يسألوا السؤال الثاني، لا الأول فقط: هل تؤيد الكفاح المسلح لتحرير فلسطين؟ والسؤال الثاني: هل أنت مستعد أن تحمل السلاح بنفسك لتقتل الإسرائيليين؟ أو أن ترسل ابنك ليقاتلهم؟ هنا ستنخفض الإجابات إلى ما يقارب الصفر، وكل الفلسطينيين يعرفون ذلك.
أما نحن الإسرائيليين، فعلينا أن نتخلص من الفكرة العبثية بأن هذا الصراع يمكن “إدارته”. علينا أن نفهم أنه لا يمكننا إخضاع ملايين الفلسطينيين الذين يريدون الحرية من الاحتلال الإسرائيلي بالقوة. المتطرفون بيننا يجب أن يدركوا أن الارتباط بأرض يهودا والسامرة لا يعني أن على إسرائيل أن تسيطر على كل شبر منها أو تملكها. يجب أن يعرفوا أن طرد الفلسطينيين من أرضهم ليس فقط جريمة ضد الإنسانية، بل هو تدنيس للدين اليهودي وإساءة لكلمة الله التي يدّعون الإيمان بها. ما يفعله المستوطنون المتطرفون في الضفة باسم اليهودية والله هو إهانة لليهودية ولله. إنهم يرتكبون يوميًا خطايا فادحة ضد الدين وضد الرب. يجب أن نوقفهم جميعًا، نحن الذين نريد أن تكون إسرائيل عضوًا محترمًا في أسرة الأمم. يجب أن نوقف هذه الحكومة الإسرائيلية نحن، الإسرائيليين الذين يريدون أن يعيشوا في مجتمع قائم على العدالة. كنا في الماضي نرى أنفسنا دولة تسعى إلى السلام – ويجب أن نعود إلى ذلك، وأن نصنع السلام مع كل جيراننا.
على الفلسطينيين أن يتخلوا عن الإيمان بالكفاح المسلح. وعلى الإسرائيليين أن يتخلوا عن وهم امتلاك كل الأرض وإنكار حقوق الفلسطينيين والاعتقاد بأن السلام ممكن رغم ذلك. لن تنعم إسرائيل بالأمن إن لم ينعم الفلسطينيون بالحرية، ولن ينعم الفلسطينيون بالحرية إن لم ينعم الإسرائيليون بالأمن. لن يكون هناك سلام بيننا حتى نعترف بوجود وشرعية وجود كلا الشعبين على هذه الأرض التي يدّعي كلٌ منا أنها له. وكما كان يقول الحاخام الراحل مناحم فرومان: “هذه الأرض لا تنتمي إلينا، نحن الذين ننتمي إليها”. نحن اليهود الإسرائيليين، ونحن العرب الفلسطينيين، ننتمي إلى هذه الأرض وسنبقى جميعًا فيها.
المهمة العاجلة أمامنا – نحن الإسرائيليين والفلسطينيين – هي محاسبة من يتحملون مباشرة مسؤولية مأساتنا. لكن الأهم من ذلك هو مسؤوليتنا العاجلة في انتخاب قيادات جديدة تحمل رؤية لغدٍ من السلام. علينا أن نسأل أنفسنا حين ننظر إلى من يتنافسون على قيادتنا: هل يجلب هؤلاء الأمل بمستقبل أفضل، بمستقبل سلام لنا ولأطفالنا؟ إن كان الجواب “لا”، أو حتى “لست متأكدًا”، فالنتيجة أن هؤلاء لا يستحقون دعمنا. يجب ألا نمنح تأييدنا مرة أخرى لمن يدّعون القيادة وهم لا يعدوننا إلا بسلاحٍ أقوى.
أيها الإسرائيليون والفلسطينيون – انظروا حولكم، انظروا إلى ما يحدث في منطقتنا. يصف نتنياهو إسرائيل بأنها “فيلا في غابة”، لكن هذا وصف خاطئ. الشرق الأوسط يتغير بسرعة. مستقبل إسرائيل وفلسطين سيكون قائمًا على ترتيبات أمنية إقليمية وتنمية اقتصادية مشتركة. مستقبلنا هنا في منطقة تريد إسرائيل آمنة وفلسطين حرة. لدينا اليوم فرصة لبناء سلام وأمن يقومان على قبول إسرائيل وفلسطين كدولتين حرتين تعملان معًا من أجل شرق أوسط آمن ومزدهر. فلنغتنم هذه الفرصة. ولنأتِ بقيادات جديدة – في إسرائيل وفي فلسطين – قيادات تحمل رؤية سلام وتمنحنا الأمل.
